كيف رسمت الجينات شكل أيدينا؟

3 دقيقة
كيف رسمت الجينات شكل أيدينا؟
الجواب عن سبب امتلاكنا خمس أصابع في اليدين والقدمين يصعب اكتشافه على نحو مثير للدهشة.

يرتبط عدد أصابع اليدين والقدمين بتاريخ تطوري عميق يمتد إلى مئات ملايين السنين، ويكشف عن دور حاسم للأسلاف السمكيين والجينات المنظمة لتشكل الأطراف:

  • تنحدر رباعيات الأطراف جميعها من سلف سمكي مشترك، وبدأ تطور الأطراف للمشي على اليابسة خلال العصر الديفوني قبل نحو 360 مليون سن…

تعد أغنية الأطفال الشهيرة "يدي الجميلة فيها خمس أصابع" من الذكريات التي يحتفظ بها الكثير من أولادنا في ذاكرتهم. يحبها الأطفال، ولكن إذا توقفت قليلاً للتفكير، فإن هذه القافية البسيطة تثير سؤالاً غريباً: لماذا يمتلك البشر خمس أصابع في كل طرف من أطرافهم الأربعة في المقام الأول؟

الجواب البسيط هو أن هذه هي الطريقة التي تطورنا بها، لكن تحديد مصدر هذه الأصابع وكيف جاءت هذه الأصابع قصة مختلفة. يقول الأستاذ المشارك في قسم علم الوراثة بجامعة روتغرز، تيتسويا ناكامورا: "عندما تتحدث عن سبب امتلاكنا لخمس -وليس ست أو أربع- أصابع في اليدين والقدمين، فأعتقد أنه سؤال صعب للغاية". وللعثور على الإجابة، نحتاج إلى العودة إلى ملايين خلت من السنين.

كل شيء يبدأ بسلف مشترك

تنحدر رباعيات الأطراف جميعها، وهي مجموعة تشمل البرمائيات والزواحف والطيور والثدييات، من سلف مشترك من الأسماك. يقول ناكامورا: "إذا سألتني: ’من أين أتينا؟‘ فجوابي هو أن الأسماك كانت سلفنا المشترك".

فقد بدأت أطراف الأسماك تتطور للمشي على اليابسة خلال العصر الديفوني، قبل 360 مليون سنة تقريباً. وبعد وقت قصير نسبياً (من الناحية التطورية)، تخلت الكائنات الأولى ذات الأطراف الأربعة -التي كانت تمتلك ما يصل إلى ثماني أصابع في كل طرف- عن أصابعها الإضافية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أصابع اليدين الخمس وأصابع القدمين الخمس سمة معيارية لرباعيات الأطراف الأولى في العالم.

وسرعان ما أصبحت تلك الخطة المكونة من خمسة أرقام مشفرة في جينات هوكس (أو الجينات النحاتة) لدى أسلافنا الأوائل، وهي مجموعة من جينات التحكم الرئيسية التي تعمل عمل مخطط وراثي، ما يضمن أن أجزاء الجسم والأعضاء والأطراف تنتهي في مواقعها الصحيحة. ومنذ ذلك الحين، حددت جينات هوكس تلك أن أسلافنا المشتركين جميعهم قد تطوروا من ذلك المخطط المكون من خمسة أرقام.

وبالطبع، لا تمتلك كل الفقاريات الحية خمس أصابع في اليدين والقدمين، ولكن أكثر من 99% من رباعيات الأطراف (جميع الأنواع البرية ذات الفقرات) تشترك في التركيب العظمي ذي الأصابع الخمس نفسه. ويشمل ذلك أسود البحر والحيتان والفقمات التي تمتلك خمسة نتوءات تشبه الأصابع مخبأة داخل زعانفها، والخفافيش التي تولد بأصابع مكشوفة تشكل هيكل أجنحتها. حتى أجنة الخيول والطيور تبدأ فترة وجيزة بخمس أصابع قبل أن تتطور إلى حوافر أو (في حالة الطيور) عدد أقل من أصابع القدم.

يولد واحد فقط من بين كل 500 إلى 1,000 إنسان بأصابع زائدة في اليدين أو القدمين، ويعرف هذا الاختلاف الخلقي باسم تعدد الأصابع، ويرتبط بجين مفرط في التعبير يعرف باسم القنفذ الصوتي (أجل، هذا هو اسمه).

 اقرأ أيضاً: فواصل أصابع القدم: أداة بسيطة قد تحدث فرقاً كبيراً في راحتك اليومية

تتبع أصولها إلى الأسماك

ومع ذلك، لم يتمكن فريق من العلماء من جامعة شيكاغو من تحديد كيفية تطور أشعة زعانف الأسماك (وهي العناصر الهيكلية العظمية التي توفر البنية والمرونة والدعم الإضافي لزعانف الأسماك) في نهاية المطاف إلى أصابع اليدين والقدمين، إلا في عام 2016، وكان ناكامورا عضواً في الفريق.

استخدم العلماء في دراستهم أسماكاً صغيرة ذات زعانف شعاعية مثل أسماك الزرد والميداكا وغيرها من الأسماك الاستوائية التي غالباً ما تجدها في أحواض الأسماك المنزلية. ثم استخدموا بعد ذلك تقنية كريسبر-كاس (CRISPR-Cas)، وهي تقنية تحرير الجينات التي سمحت لهم بتغيير الحمض النووي للأسماك، لحذف جينات هوكس اللازمة لنمو الأطراف.

من ثم، قارن العلماء الخلايا الجنينية في هذه الأسماك الطافرة بالفئران في أثناء نموها وتطورها، ليكتشفوا في النهاية وجود علاقة جينية بين الاثنين. يقول ناكامورا: "وجدنا أن أصابعنا وأشعة زعانف السمك تستخدم جينات هوكس نفسها ووظائفها في النمو". بعبارة أخرى، تنحدر أشعة زعانف السمك وأصابعنا من مجموعة الأدوات الجينية نفسها.

 اقرأ أيضاً: هل يمكن لأصابعك أن تتنبأ بقدرتك على التحمل؟ دراسة جديدة تكشف الرابط

ماذا يعني كل ذلك؟

على الرغم من أن بحثهم أثبت وجود علاقة مباشرة بين أشعة زعانف الأسماك وأصابع رباعيات الأطراف، فلا يزال ثمة الكثير لنتعلمه حول كيفية تطور أصابع اليدين والقدمين لدى البشر. يقول ناكامورا: "لقد وجدنا أن أصابعنا ربما تطورت من أشعة الزعانف، على الرغم من حقيقة أنهما بنيتان مختلفتان تماماً".

ويضيف: "لا تزال هناك أسئلة كثيرة. على سبيل المثال، كيف تحولت إلى أصابع؟ وما هو نوع الجينات والجزيئات التي نظمت هذا التحول؟" مع ظهور أدوات أفضل لتعديل الجينات مثل كريسبر-كاس9، وهو نوع أدق من نظام كريسبر-كاس، خلال العقد الماضي، يعتقد ناكامورا أن الإجابات قد تأتي عاجلاً وليس آجلاً.

 اقرأ أيضاً: هل ترتبط بصمات الأصابع بأكثر من نوع من المورثات؟

القواسم المشتركة الأخرى

وفقاً لناكامورا، فإن رباعيات الأطراف والأسماك متشابهة وراثياً بطرق أخرى أيضاً. على سبيل المثال، تطورت الأطراف الخلفية للفقاريات البرية من الزعانف الحوضية لأسلاف الأسماك ذات الزعانف المفصصة، بينما تطورت أحزمة الكتف (البنية العظمية التي تشكل أساس أكتافنا) من أقواس خياشيم الأسماك، وهي الحلقات الهيكلية التي تدعم خياشيم الأسماك للتنفس والتغذية.

يقول ناكامورا: "على الرغم من أن الأسماك ليس لديها أعناق، فقد تمكن البشر بطريقة ما من خلال التطور من فصل عظام الجمجمة عن حزام الكتف، ما أدى إلى خلق مساحة للرقبة". وقد سمح لنا ذلك بتحريك رؤوسنا على نحو مستقل عن أجسامنا لتنفيذ مهام مثل الصيد ومسح الأفق.

هذا ما يعرف باسم "الابتكار التطوري" (evolutionary innovation)، وهو سمة أو ميزة جديدة تسمح للكائنات الحية بمزيد من الوظائف والتكيف، مثل الطريقة التي توصلنا بها إلى امتلاكنا لأصابع اليدين والقدمين. يقول ناكامورا: "لقد أخذنا البنى التي كانت موجودة في زعانف الأسماك، وغيرت أجسامنا تطورها بمرور الوقت إلى أنسجة تشبه الأصابع أكثر ملاءمة لليابسة".

 اقرأ أيضاً: هل تؤدي فرقعة الأصابع إلى التهاب المفاصل؟

إنه مجرد رقم

أما لماذا لدينا خمس أصابع يد وخمس أصابع قدم؟ فلا تزال الإجابة غير محسومة، ولكن من المؤكد أن الرقم يصلح لأن يكون أغنية جيدة للأطفال.

 

المحتوى محمي